٠١‏/٠٥‏/٢٠٢٦، ١٠:٣٦ ص

ملامح بزوغ فصلٍ جديدٍ للخليج الفارسي

ملامح بزوغ فصلٍ جديدٍ للخليج الفارسي

ما يُوصف بـ«بزوغ فصل جديد للخليج الفارسي» هو في الواقع حصيلة مجموعة من الاتجاهات المتداخلة التي تعيد تشكيل ملامح المنطقة. فتراجع الثقة بالأمن المستورد، والتشكيك في فعالية الوجود العسكري الأجنبي، وتعاظم دور الفاعلين الإقليميين، وتعزيز الردع، وتغيّر الرأي العام، وبروز النقاط الاستراتيجية مثل مضيق هرمز

وكالة مهر للأنباء- بعد الحرب التي استمرّت أربعين يوماً وفشل المعتدين في تحقيق أهدافهم ضد إيران، نشهد مرحلةً يُشار إليها بـ«الفصل الجديد للخليج الفارسي». ويكتسب هذا المفهوم معناه حين يُدرَس في سياق التحوّلات الواقعية والإدراكات المتغيّرة لدى الفاعلين الإقليميين. فقد كان الخليج الفارسي، خلال العقود الماضية، ساحةً لنظامٍ أمنيٍّ قائمٍ على حضور القوى من خارج المنطقة، ولا سيّما الولايات المتحدة، حيث جرى تقديم هذا الحضور بوصفه الركيزة الأساسية للاستقرار. أمّا اليوم، فتظهر مؤشّرات تدلّ على تآكل هذا النموذج، مع تشكّل رواياتٍ جديدة تعيد تعريف الأمن من زاوية مختلفة.

وفي هذا السياق، تُطرح التطوّرات الإقليمية الأخيرة والروايات التي نشأت عن مواجهةٍ محدودة ولكن ذات دلالة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، بوصفها نقطةً مهمّة في تغيير هذه المعادلة. ووفق هذه القراءة، فإن ما حدث ليس مجرّد مواجهة عسكرية، بل لحظة تغيّرت فيها صورة القوة. والانطباع السائد في هذا الإطار هو أنّ الولايات المتحدة لم تتمكّن من تحقيق أهدافها المعلنة، وهو ما عزّز، للمرّة الأولى وعلى نطاقٍ أوسع، فكرة أنّ ميزان القوى آخذٌ في التحوّل. وقد ترك هذا الإدراك أثره على ذهنيّة صانعي القرار والرأي العام.

ومن أوّل تداعيات هذا الوضع، التراجع التدريجي لمصداقية مفهوم «الأمن المستورد». فالدول التي لطالما ربطت أمنها بوجود القوات الأجنبية، باتت اليوم تواجه تساؤلاً حول ما إذا كان هذا الاعتماد قد وفّر بالفعل أمناً مستداماً، أم أنّه تحوّل إلى عاملٍ لزيادة التوتّر. وقد عزّزت التجارب الأخيرة الشكوك في أنّ الوجود العسكري الأجنبي، ولا سيّما في ظلّ التنافسات الجيوسياسية الحادّة، يساهم في إعادة إنتاج الأزمات أكثر مما يحدّ منها.

وفي الإطار نفسه، بات الاعتماد على القواعد العسكرية الأمريكية محلّ تساؤل. فهذه القواعد التي كانت تُعدّ رمزاً للقوة الرادعة، تُرى اليوم في بعض التحليلات بوصفها نقاط ضعفٍ محتملة، بل وحتى عوامل محفّزة للتوتّر. وعندما يتشكّل انطباع بأن هذه البنى التحتية لا تستطيع الدفاع بفعالية عن حلفائها، أو قد تتحوّل هي نفسها إلى أهداف، فمن الطبيعي أن تتراجع وظيفتها الردعية في الذهنية الإقليمية.

ومن صلب هذه التحوّلات، برزت نتيجة مهمّة مفادها أنّ الوجود الأمريكي لم يعد يُنظر إليه بوصفه عامل استقرار، بل باعتباره أحد مصادر عدم الاستقرار. وقد أتاح هذا التحوّل في النظرة طرح فكرة «تقليص أو إنهاء الوجود العسكري الأجنبي» بشكلٍ أكثر جدّية. وهذه الفكرة التي كانت حتى سنوات قليلة مضت مجرّد شعار، بدأت تدريجياً تدخل حيّز الممارسة في السياسات الإقليمية.

وفي سياق هذا المسار، يكتسب مفهوم «الأمن الإقليمي بواسطة دول المنطقة» أهمية متزايدة. ويستند هذا التصوّر إلى فرضية أنّ دول الخليج الفارسي، رغم اختلافاتها، تشترك في مصالح تتعلّق باستقرار هذا الممرّ المائي، وأنها قادرة على تأمين أمنها عبر الحوار وآلياتٍ مشتركة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه هذا الطرح، فإنه يُطرح اليوم بوصفه بديلاً حقيقياً للنموذج التقليدي، ويأخذ وزناً سياسياً متزايداً.

وفي هذا السياق، تسعى إيران إلى تقديم نفسها بوصفها أحد محاور هذا النظام الجديد. ويستند هذا المسعى إلى مزيج من الأدوات الصلبة والناعمة. فعلى المستوى الصلب، يظهر التركيز على تعزيز القدرة الردعية وتغيير حسابات الطرف المقابل. وقد ارتفعت كلفة أي عمل عسكري ضد إيران بشكلٍ ملحوظ، ما جعل الخيار العسكري بالنسبة للطرف الآخر يتحوّل من خيار منخفض الكلفة إلى مخاطرة جدّية. وقد انعكس هذا التغيير في الإدراك على سلوك الفاعلين.

أمّا على المستوى الناعم، فهناك تحوّل آخر يتشكّل تدريجياً، يتمثّل في تغيّر نظرة الرأي العام في المنطقة. فالشعوب التي عاشت طويلاً على فرضية أنّ وجود القوى الأجنبية يضمن الأمن، بدأت تعيد النظر في هذا التصوّر. وتتوسّع الروايات التي ترى في هذا الحضور سبباً للأزمات، ما يهيّئ البيئة الاجتماعية والسياسية لتحوّلات أعمق. وهذا التحوّل في الوعي يتقدّم ببطء، لكنه حين يترسّخ يصبح من الصعب التراجع عنه.

ومن بين النقاط المحورية في هذه التحوّلات، يبرز مضيق هرمز بوصفه ممراً تتجاوز أهميته البعد الجغرافي. فقد عُرف هذا المضيق لسنوات باعتباره أحد الشرايين الحيوية للطاقة في العالم، إلا أنّ دوره في «الفصل الجديد» اكتسب أبعاداً إضافية. إذ بات يُنظر إليه كأداة استراتيجية في معادلات القوة، حيث إن أي تغيير في وضعه قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة.

وفي هذا الإطار، أصبحت إدارة مضيق هرمز من قبل إيران قضيةً محورية. فهذه الإدارة لا تعني السيطرة الجغرافية فحسب، بل تشمل أيضاً القدرة على التأثير في المعادلات الأمنية والاقتصادية الإقليمية. وبوصفها أحد الفاعلين الرئيسيين في هذا المضيق، تستطيع إيران التأثير في تدفّق الطاقة، وبالتالي في الحسابات العالمية. وهذه القدرة تعزّز مكانتها الجيوسياسية في النظام الآخذ في التشكّل، وتجعلها لاعباً لا يمكن تجاهله.

ومن زاوية أخرى، يذكّر بروز مضيق هرمز بحقيقة أنّ الجغرافيا ما تزال عاملاً حاسماً في السياسة. فعلى الرغم من تزايد أهمية التكنولوجيا والاقتصاد، لا تزال هناك نقاط بحكم موقعها الخاص قادرة على التأثير في المعادلات الكبرى. ويُعدّ مضيق هرمز أحد هذه النقاط، وقد باتت أهميته في «الفصل الجديد» أكثر وضوحاً من أي وقتٍ مضى.

وفي الختام، فإن ما يُوصف بـ«بزوغ فصل جديد للخليج الفارسي» هو في الواقع حصيلة مجموعة من الاتجاهات المتداخلة التي تعيد تشكيل ملامح المنطقة. فتراجع الثقة بالأمن المستورد، والتشكيك في فعالية الوجود العسكري الأجنبي، وتعاظم دور الفاعلين الإقليميين، وتعزيز الردع، وتغيّر الرأي العام، وبروز النقاط الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، كلّها مؤشرات على هذا التحوّل.

رمز الخبر 1970406

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha